سليمان دنيا
48
بين الشيعة وأهل السنة
يفرض رأيه على غيره ، أو يلزمه به ، ولم يقف الأمر عند حد عدم محاولتهم فرض آرائهم على غيرهم ، بل جاوزه إلى ابائهم أن تفرض آراؤهم على غيرهم ، فكلنا يعلم موقف الامام مالك رضي الله عنه من الخليفة المنصور . لقد عزم المنصور أن يأمر بنسخ كتب الامام مالك وارسالها إلى حكام الأقاليم ليعملوا بما فيها ، ولا يتعدوها إلى غيرها ، فعارض الامام مالك في هذا وقال للمنصور : « لا تفعل هذا ، فان الناس قد سبقت إليهم أقاويل وسمعوا أحاديث ، ورووا روايات ، وأخذ كل قوم بما سبق لهم ، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم » . أين نحن الآن من هذه السماحة التي لا نعرف لها نظيرا الا في سلوك النبيين . ولا ينبغي أن يستعظم من العلماء أن يسلكوا سلوك الأنبياء ، بل ينبغي أن يستعظم منهم أن لا يسلكوا سلوك الأنبياء ، فان العلماء يضعون أنفسهم بحكم وظيفتهم في الحياة ، ويضعهم الشارع الحكيم نفسه - في مكان الأنبياء ، يقول صلى الله عليه وآله وسلم : « العلماء ورثة الأنبياء » والأنبياء لم يورثوا العلماء مالا وضياعا ، وانما ورثوهم رسالتهم وما تقتضيه هذه الرسالة من تبشير بها ودعوة لها ، وعمل بمقتضاها . وإذا لم يكن العلماء أول من يأخذ نفسه بأوامر الله تكون دعوتهم الناس إليها دعوة مزيفة مصطنعة . لهذا لا ينبغي أن نستغرب من مالك صنيعه هذا ، بل ينبغي أن نستغرب أن لا نصنع نحن الآن مثل ما كان يصنع مالك .